ابن عجيبة
483
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
المقدس شجرة ، فيسألها : ما اسمك ؟ فتقول الشجرة : اسمى كذا ، فيأمر بها فنقطع ، فإن كانت لغرس غرسها ، وإن كانت لدواء كتبت . فبينما هو يصلى ذات يوم إذ رأى شجرة بين يديه ، فقال لها : ما اسمك ؟ قالت : الخروبة ، قال لها : ولأي شئ نبتّ ؟ قالت : لخراب هذا المسجد ، فقال : ما كان اللّه ليخربه وأنا حىّ ، أنت التي على وجهك هلاكى ، وهلاك بيت المقدس ، فنزعها وغرسها في حائط ، ثم قال : اللهم أعم عن الجن موتى ، حتى يعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب . وكانت الجن تخبر الإنس أنهم يعلمون أشياء من علم الغيب ، ثم دخل المحراب ، وقام يصلى على عصاه ، فمات « 1 » . وقيل : إن سليمان قال لأصحابه ذات يوم : قد آتاني اللّه ما ترون ، وما مرّ علىّ يوم في ملكي بحيث صفا لي من الكدر ، وقد أحببت أن يكون لي يوم واحد يصفو لي من الكدر ، فدخل قصره من الغد ، وأمر بغلق أبوابه ، ومنع الناس من الدخول عليه ، ورفع الأخبار إليه . ثم اتكأ على عصاه ينظر في ممالكه ، إذ نظر إلى شاب حسن الوجه ، عليه ثياب بيض ، قد خرج عليه من جوانب قصره ، فقال : السلام عليك يا سليمان ، فقال : عليك السلام ، كيف دخلت قصرى ؟ فقال : أنا الذي لا يحجبنى حاجب ، ولا يدفعني بواب ، ولا أهاب الملوك ، ولا أقبل الرشا ، وما كنت لأدخل هذا القصر من غير إذن . فقال سليمان : فمن أذن لك في دخوله ؟ قال : ربه ، فارتعد سليمان ، وعلم أنه ملك الموت ، فقال : يا ملك الموت هذا اليوم الذي أردت أن يصفو لي ، قال : يا سليمان ذلك اليوم لم يخلق في أيام الدنيا ، فقبض روحه وهو متكئ على عصاه . ه . وفي رواية : أنه دعا الشياطين ، فبنوا له صرحا من قوارير ، ليس له باب ، فقام يصلى ، واتكأ على عصاه ، فدخل عليه ملك الموت فقبض روحه « 2 » . واللّه تعالى أعلم أىّ ذلك كان . وبقي سليمان ميتا ، وهو قائم على عصاه سنة ، حتى أكلت الأرضة عصاه . ولم يعلموا منذ كم مات ، فوضعوا الأرضة على العصا ، فأكلت منها يوما وليلة ، ثم حسبوا على ذلك النحو ، فوجدوه قد مات منذ سنة . سبحان الحي الذي لا يموت ، ولا ينقضى ملكه . الإشارة : كل دولة في الدنيا تحول ، وكل عز فيها عن قريب يزول ، فالعاقل من صرف دولته في طاعته مولاه ، وبذل جهده في محبته ورضاه ، فإن كانت قسمته في الأغنياء كان من الشاكرين ، وإن كانت في الفقراء كان من الصابرين ، والفقير الصابر أحظى من الغنى الشاكر ، ولذلك ورد أن سليمان عليه السّلام آخر من يدخل الجنة من
--> ( 1 ) انظر : تفسير الطبري ( 22 / 75 ) وتفسير ابن كثير ( 3 / 529 ) . ( 2 ) أخرجه الطبري ( 22 / 75 - 76 ) عن ابن زيد .